مداخلة سيادة المطران جي بولس نجيم خلال إطلاقة معهد العلّيّة للتنشئة الرساليّة بتاريخ 28 تشرين الأوّل 2021، ننشر كلماته نظرًا لواقعيّة محتواه وتطابقه مع المسيرة السينودسيّة الحاليّة.
نقرأ في مقدّمة احدى وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني المعروفة بقرار، “مهمة الأساقفة الراعوية”، أنّ “الروح القدس أقام الأساقفة ليخلفوا الرّسل كرعاةٍ للنفوس. وقد أُرسلوا ليؤمّنوا، بالاتحاد مع الحبر الأعظم وتحت سلطته، استمرار عمل المسيح، الراعي الأزلي. […] فيُمارس الأساقفة تلك المهمة الاسقفية التي قبلوها بالتكريس الاسقفي مشتركين في الاهتمام بكلّ الكنائس، […] بالتعليم والرعاية، حيال كنيسة الله الشاملة […]. ويهتمّ كلٌّ منهم بكنيسةٍ خاصة أو بعدة كنائس أُسنِدَ تدبيرها اليه، ناظرين معاً الى الحاجات المشتركة لكنائسهم المتعدّدة” (2).
وتعود الفقرة 6 من الفصل الأوّل من الوثيقة نفسها، تحت عنوان: “الأساقفة في الكنيسة الجامعة”، لتردّد أنّ “على الأساقفة ان يحملوا همّ الكنائس كلّها، إذ إنّ كلَّ واحدٍ منهم، مسؤول عن الكنيسة جمعاء مع سائر الأساقفة”. ثمّ تزيد: “عليهم أن يعملوا بكل قواهم على أن يساند المؤمنون أعمال التبشير والرسالة، وأن يشجّعوها. وبالأكثر فليجتهدوا في السهر على تهيئة كهنةٍ ذوي جدارة ومساعدين من الرهبان والعلمانيين، لبلدان الرسالات […] وعلاوة على ذلك، في استعمال الخيرات الكنسية، على الأساقفة أن يضعوا نصب أعينهم إقامةَ حسابٍ، لا لحاجات ابرشيتهم فحسب، بل لحاجات سائر الكنائس الخاصة”. أي إنّ من واجبات الأساقفة الأساسيّة، ليس فقط أن يقوموا بأعمال التبشير، بل أيضًا، أن يدفعوا شعبهم المؤمن بكامله، إلى مُشاركتهم في تأدية هذا الواجب، على كلّ المستويات، الروحي المادّي، بتهيئة كهنة ومكرّسين وعلمانيّين مستعدّين للذهاب إلى أماكن الرسالات، أي إلى حيث لم يُعرف المسيح أو لم يُقبل به بعد. والمرجع الإنجيلي الأساسي لهذا الموقف الجريء هو آخر وصيّة تركها سيّدنا وإلهنا الربّ يسوع قبل غيابه الحسّي عنّا : “إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، […] وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم” (متّ 28/19-20). إنّه معنا في همّنا الرسولي.
وقد عمل المسيحيّون الأُول بهذه الوصيّة تلقائيًّا. يُفيدنا الإنجيلي لوقا أنّ عدد الذين آمنوا بالرب يسوع نهار عيد العنصرة اليهودي، لمّا حلّ الروح القدس على الرسل في العليّة، بلغ “نحو ثلاثة آلاف نفس” (أع 2/41) وأنّ عددًا وافرًا من بينهم كان قد أتى للإحتفال بالعيد من كلّ أنحاء العالم القديم، من أفريقيا واليونان وآسيا إلخ (ر. أع 2/9-10). ولا بدّ أنّهم لمّا عادوا إلى بلدهم، أخبروا حولهم عن إيمانهم الجديد. فهكذا فعل في ما بعد، المسيحيّون الأول الذين “تشتتوا بسبب الضيق الذي وقع [في أورشليم] بشأن إسطفانس” (أع 11/19) وغيره بعده. تركوا فلسطين مؤمنين بالمسيح، وكانوا أوّل من أسّس جماعات مسيحيّة في أوطانهم، في أنطاكية مثلاً، قبل مجيْ الرسل إليهم.
وقد استمرّ التبشير من خلال العلمانيّين طويلاّ في الشرق بالرغم من تقدّم التنظيم الكنسي حول الأسقف والكهنة والأديرة. وتشهد بعض النقوش الأثريّة في منطقة البلكان دالماسيا (كرواتيا)، في أوروبّا حاليًّا، على دور التجّار السريان[i] في نقل الإيمان إلى تلك المناطق، كما أنّ الذين زرعوا الإيمان المسيحي في الهند والصين هم أيضًا تجّارٌ عرب وفاريسيّين[ii] معدّين هكذا الدرب لإقامة كنيسة رسميّة لهذه البلدان في ما بعد.
ولكن، يبدو أنّ الكنائس الشرقيّة أخذت تدريجيًّا، بدأً خصوصًا من القرن العاشر تنزلق أكثر فأكثر نحو نظام الطائفيّة وتنغلق كلّ كنيسةٍ على نفسها. والأسباب عديدة، منها: 1- الصراعات اللاهوتيّة المزمنة حول ماهيّة شخص المسيح، وألوهيّة الروح القدس، وبدأً من القرن الثاني عشر، حول دور بابا روما في الكنيسة الجامعة، إلخ.
2- المدّ الإسلامي الذي زعزع الثقة بالنفس التي تمتّع بها المسيحيوّن منذ بدء القرن الرابع حين اعترف الأمبرطور قسطنطين ّبحقّهم مماسرة إيمانهم بحرّيّة، ولمّا جعل ابنه هذا الدين، دين الدولة من بلاد الفرس في الشرق، إلى جزيرة إنكلترا في الغرب. ومن أشدّ الضربات عليهم، أنّ مفتاح كنيسة القيامة التي فيها قبر المسيح هي بين أيدي المسلمين منذ سنة 1187. والمُخجل، أنّ السبب الأساسي لهذا التدبير هو تحاشي الخلافات بين الكنائس المسيحيّة في إدارة أقدس أماكنهم.
3- الإضطهادات التي لاحقهم بها بعض الحكّام المسلمين كالتي لا تزال حيّةً في أذهاننا إلى اليوم، نظام أهل الذمّة في أرض الإسلام، ومجزرة سنة 1860 في لبنان ومنطقة دمشق، ومحاولة إبادة الأرمن والأشوريّين سنة 1915. ولم يكن تعصّب الإسلاميّين المتطرّفين الحاليّة لتُطمئنهم. ولا عجب أن يكون قد أصبح لهم، الميل إلى المحافظة على الذات والدفاع المستميت عنه هو الأقوى، على حساب وصيّة الرب: اذهبوا وتلمذوا.
4- هذا لا يمنع أنّ العمل الرسالي تجاه غير المسيحيّين لم يغِب، بل ظلّ في واقع حياتهم، في تلاقيهم الطبيعي اليومي مع الآخرين، وأعمالهم المشتركة معهم والمدارس إلخ. ولكن دون أن يعتبروا ذلك، بشكلٍ واضح في تعليمهم، نعمةً يُتمّموا بها واجبًا محفورًا في عمق الكيان المسيحي.
والكنيسة الجامعة تدعونا اليوم، ليس نحن، أولاد الكنائس المشرقيّة وحسب، ولكن أيضًا كلّ كنائس العالم، إلى إيقاظ الوعي على هذا الواجب، لأنّ هذا الوعي تراجَع حتّى في الغرب المسيحي، وإن لأسبابٍ مختلفة عن تلك التي أثرّت فينا.
من هنا مهام المعهد المنوي تأسيسُه :
1- المساهمة في تنميّة محبّة نشر كلمة الله ومعرفة المسيح مُخلّص كلّ أبناء البشر وقد قال: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله” (متّ 4/4)، وأنّ “الحياة الأبديّة هي أن يعرف الإنسان الله ومسيحه يسوع” (يو 17/3 بتصرّف)، وأنّ “السراج لا يوقد ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة ليضيء لجميع من في البيت” (متّ5/15)…
2- جعل كل فقرة من التعليم المسيحي مجبولة بالروح الرسوليّة بكلّ أبعادها حبًّا بالمسيح وبالبشر.
3- توضيح سبل القيام بالرسالة المسيحيّة، اليوم، وتجانسًا مع سبل الرب كما كشف عنها لنا يسوع، وانطلاقًا من خبرة الكنيسة على مدى عشرين قرنًا.
4- …
فنتمنى للمعهد النجاح المطّرد.
[i] Pierre Maraval, « L’expansion chrétienne en Occident », dans « Le christianisme de Constantin à la conquête arabe » (2005), https://www.cairn.info/le-christianisme-de-constantin-a-la-conquete-arabe–9782130548836-page-111.htm consulté le 20 octobre 2021
[ii] Missions étrangères de Paris. https://missionsetrangeres.com/eglises-asie/2003-06-16-sri-lanka-2/ consulté le 20 octobre 2021.
